محمد محمد أبو ليلة

80

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ومن الجدير بالذكر أن نقول إن القرآن سمى " ذكرا " لأنه كتاب يذكر دائما ، كتاب ظاهر ومشهور ، وحافظ ومحفوظ ، فلا يبدل ولا يحرف ، ولا يطمس ولا يخفى على أحد ذكره ، كما في قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) ( الحجر : 9 ) . والقرآن الآن هو هو ، كما كان بالأمس أشهر كتاب ، مقروءا ، ومكتوبا ، ومدروسا ، ومطبقا ؛ إنه الكتاب الوحيد الذي تسمعه بالصوت الحي في كل قارات الدنيا ؛ وهو الكتاب الوحيد ، الأوسع انتشارا وقراءة ؛ صرف اللّه قلوب الملايين بحبه وتعاليمه ؛ فهو يقرأ بلسانه العربي ، الذي نزل به في جميع الأصقاع والبقاع ، وبألسنة أهل اللغات المختلفة . وإذا قارنا بين " القرآن " وبين " كتاب النصارى المقدس " مثلا ، وجدنا أن هذا الكتاب الأخير يطبع بالملايين ، وفي أفخم الطبعات ، ويترجم إلى جميع اللغات واللهجات ، أكثر بكثير من القرآن ؛ ولكنه كما وصفه أحد الكتاب المسيحيين ( الكتاب الذي يطبع بالملايين ، ولا يقرؤه إلا أقل القليل ) ؛ وصدق اللّه إذ يقول عن القرآن : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ ( الأنبياء : 50 ) ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) ( التكوير : 27 ) ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) ( القيامة : 17 ) . " الذكر " ك " القرآن " يطلق على الكل ، والجزء ؛ أما إطلاقه على الكل ، فظاهر من الآيات الكثيرة التي أشرنا إليها ؛ وإما إطلاقه على الجزء ، ففي قوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) ( الأنبياء : 2 ) ، وقوله تعالى : وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) ( الشعراء : 5 ) . ثانيا : المثاني " المثاني " من الألفاظ « 1 » القرآنية التي جذبت انتباه المستشرق ويلش ، وقد ورد هذا اللفظ في موضعين فقط من القرآن ( الحجر : 87 ، والزمر : 23 ) . يقول المستشرق إن مفسري القرآن قد تحيروا كثيرا في تحديد معنى " مثاني " ؛ وهذا في نظره كان له مردوده على الدراسات الاستشراقية ، فقد انبرى المستشرقون المهتمون بالدراسات القرآنية لتقديم عدة معاني أخرى مختلفة للكلمة .

--> ( 1 ) يكثر المستشرق من استعمال لفظة " مصطلح " للإشارة إلى الألفاظ القرآنية ؛ ولكنا نستعمل " لفظ " ، و " لفظة " و " كلمة " بدلا من " مصطلح " لأن المصطلح من وضع البشر ؛ والقرآن كلام اللّه تعالى الخالص الذي لا وضع للبشر فيه البتة .